jump to navigation

الباسطرمة الموصلية September 21, 2011

Posted by drmoayad in مصلاويات.
trackback

كيفية صنع البسطرمة الموصلية

بقلم الدكتور سمير بشير حديد

عمل (البسطرمة) وفق تقاليد المجتمعات وعاداتها، لكن تبقى البسطرمة الموصلية هي الأطيب والأزكى، لاسيما المصنوعة في البيت؛ لنظافتها واختيار نوعية اللحوم من العجل الخالص الطري القليل الدسم، ولا تكاد تشكل كمية الشحوم فيه إلا نسبة قليلة جداً. وهناك اختلاف واضح بين (البسطرمة) الشرقية في كل من: العراق وبلاد الشام ومصر، وبين (البسطرمة) الغربية في كل من: أوربا والمغرب العربي. كما أن هناك اختلافاً في التسمية أيضاً، فتسمى بـ(البسطرمة) في المشرق العربي، وتدعى بـ(الصاصيج) أو (النقانق) (Sausages) في الغرب وأوربا، وفي أمريكا تدعى بـ(هوت دوك) (Hot Dog).وصناعة (البسطرمة) كما أشرنا تختلف من مكان إلى مكان حتى في البلاد العربية نفسها، فمثلاً في (مصر) تصنع من قطع اللحم البقري دون ثرمه ثم تجفيفه، وهي تختلف تماماً عن (البسطرمة) العراقية لاسيما الموصلية الصنع. يضاف إلى ذلك كله أن طريقة طهي (البسطرمة) واكلها لها طقوس خاصة بها، ومناسباتها الخاصة ومواسمها الخاصة أيضاً.
في هذه المقالة سوف أتناول (البسطرمة) الموصلية وصنعها وتقاليد أهل الموصل في أكلها. ومن الحكمة أن أشير إلى السبب الرئيس وراء اختياري هذه الأكلة المحببة لدى الموصليين، ذلك أنه يرجع إلى أن أخي وزميلي الأستاذ الدكتور رياض الدباغ وصل إليه كمية من (البسطرمة) الموصلية من أخته الفاضلة، وهو معروف بكرمه وسخائه ونبله وشجاعته، فقد أبى إلا أن يشركني بها، فقدم لي كمية منها؛ لأنه يعلم جيداً أنها أكلة مفضلة لدي. وهو بهذا الوفاء والسخاء سن سنة حسنة، وهي امتداد لتلك السنن الموصلية المتعارف عليها في الموصل، ويعرفها كل من عرف أهلها، ولعل هذه العادة تسود بين الموصليين خارج العراق؛ لتعبر عن أصالتهم وترابطهم ووفائهم وصلاتهم التي تخفف عنهم ألم البعد، وعناء الغربة.
تصنع (البسطرمة) الموصلية من لحم العجل الطازج الذي يفرم جيداً باليد أو ماكنة فرم اللحم، يضاف إليها كمية من الملح والبهارات الخاصة بها: (كمون، وكزبرة، وفلفل أسود، وكبابة، وجوزة الطيب، مسمار اسود، وخليط من البهارات) مع كمية من الثوم الذي يهرس ويعجن مع بقية المكونات، وتحشى العجينة بمصارين العجل أو البقر في حالة توافرها، وتدعى بـ(الشردانة)، أو تحشى بأكياس نايلون شفافة، يكون عرضها بحدود 5 سم وطولها بحدود 30سم. بعد تعبئتها يتم إغلاقها، وربطها جيداً بالخيط؛ لمنع تسرب الهواء إليها، خشية أن يفسدها، ثم تعلق على الحبل، وتعرض في الهواء الطلق، وتنشر لمدة بضعة أيام لتجف، وعندئذ تصبح جاهزة للأكل. وبعد ظهور المجمدات يمكن وضعها داخل المجمدة؛ لاستخراجها من التجميد، واستعمالها قبل طبخها ببضع ساعات.

اعتاد الموصليون على صناعة (البسطرمة) في فصل الشتاء أو أواخر فصل الخريف، وتصنع في البيوت أو عند القصابين، وتباع في محلات خاصة، أذكر منها على سبيل المثال المحلات في : منطقة حضيرة السادة وخزرج والساعة القريبة من محل سكني. كما أذكر من هؤلاء الذين اشتهروا ببيعها ابن حنون في الساعة. والجدير بالذكر أن هناك مجموعة من القصابين كانوا يجهزون (البسطرمة) للبيع بالكيلو إلى الأهالي أو إلى أصحاب المطاعم ومحلات السندويج الذين يقدمون (البسطرمة) إضافة إلى السندويج في موسم الشتاء. وتقدم (البسطرمة) عادة مع الطرشي الموصلي الطازج، ذي النكهة الخاصة، ولونه الأصفر المميز الذي يغلب عليه لون الكركم، أو مع المخللات التي يغلب عليها اللون الأحمر من الشوندر الاحمر وتتميز طعمها بالحموضة الطيبة الطعم، والفجل الأسود الكبير الذي لم أجد مثله في العالم إلا في الموصل. وتقدم مع الخبز الموصلي أو الصمون الذي يحوي على الألياف (النخالة) التي تساعد على امتصاص الدهون.
وهناك طقوس خاصة عند الموصليين لتحضير (البسطرمة)، وطرق معينة عند تقديمها للأكل. فهي تقدم في الصباح الباكر مقلية بالطاوة مع البيض (بسطرمة وبيض) وتقدم مع الخبز الحار الذي يجهز في الصباح أو الصمون الموصلي الحار. ويقول أهل الموصل (تسند المعدي). أي: تحميهم من الجوع؛ لفترة طويلة. أما في المساء فتقدم مقلية مع الطماطم التي تضاف إليها، وتقلى أيضاً في الطاوة نفسها، كخليط من (البسطرمة) والطماطم، وتصبح لذيذة جداً، لا سيما إن كان الخبز أو الصمون طازجاً وحاراً. أما إذا صادف وجود (البسطرمة) في شهر رمضان المبارك فتقدم في السحور، إما مع البيض، أو مع الطماطم، على الرغم من أن تناول (البسطرمة) في أوقات السحور قد يؤدي إلى العطش الشديد، لكنها أكلة موصلية محبوبة ومفضلة لديهم وتسند المعدة، وقداعتاد عليها الموصليون وأصبحت لازمة من لوازم العادات التي جرت في الموصل كلها، ولا يكاد المرء يعثر على بيت يخلو منها في مواسمها لا سيما في رمضان المبارك، وهذا يدل على أن أهل الموصل يتمسكون بعاداتهم وتقاليدهم على اختلاف طبقاتهم، وحالاتهم المادية، ولكن كل بطريقته الخاصة وطقوسه المعتادة التي ألفها، وارتضاها لنفسه.
ومن الأمور التي أتذكرها، وقد حصلت قبل نصف قرن أو يزيد أو ينقص قليلاً، حين كنا طلاباً في المرحلة المتوسطة والإعدادية، ما كنا نقوم به بعد دوام المدرسة (أي: بعد الظهر)، إذ كنا نتوجه إلى حديقة الشهداء؛ لغرض الدراسة، وعندما كان الظلام يبدأ بإرسال أثوابه، ويداهمنا شيئاً فشيئاً، كنت مع أصدقاء من محلتي وأقاربي نقتحم ظلماته، منطلقين إلى (الدواسة)، حتى نصل إلى نهاية الشارع، فنتوجه إلى الركن الأيمن منه مقابل سينما حمورابي، قاصدين ذلك المطعم الشعبي الذي يقدم (البسطرمة) مع الطماطم.وما أن نصل إليه، وندخله، ويأتي صاحبه ليتعرف على طلباتنا، حتى تهدأ نفوسنا، ولكن المعد الخاوية لا نفتأ نؤملها بتلك الوجبة التي خرجنا من أجلها، ولا يمكننا أن نقبل إلا أن نعود بطاناً بعد أن قدمنا خماصاً في هذا الوقت من الليل لتناول وجبة العشاء.وسرعان ما يلبي صاحب المطعم طلباتنا، فنبدأ بالتهام ما طلبناه، حتى نفرغ الصحون من محتواها، لجودة الطبخ، ومهارة المقدِّم، ومغريات المشهيات من طرشي وما إلى ذلك. وكم كان بودي أن أذكر اسم المطعم وصاحبه أيضاً، لكن الذاكرة لم تسعفني الآن، وآمل أن أتذكرهما. وعلى أية حال فقد علمت أن المطعم تحول إلى مطعم لتقديم الفلافل (فلافل بدر) بدلاً من (البسطرمة) التي أضحت أكلة مترفة بعد الحصار اللعين على العراق في نهاية القرن الماضي، وأنا متأكد من أن الأخوة القراء سيتعرفون عليهما وينعشون ذاكرتي المتعبة والمثقلة بذكر اسمهما!

وينتعش بيع (البسطرمة) في الموصل ببيع (الطرشي و المخللات) فهما مقترنان معاً، ولا يكادان ينفصلان عن بعضهما بعضاً، وعادة ما نجد أن المحل الذي يبيع (البسطرمة) يبيع (الطرشي والمخللات) أيضاً في المحل نفسه وفي الوقت ذاته. ومن الباعة المشهورين في الموصل: المرحوم الحاج شيت صاحب محلات بيع الطرشي في منطقة النبي شيت، كما أن كل منطقة في الموصل لها باعتها المعروفون في بيع (البسطرمة)، وعادة يكتسب أحدهم شهرة، ويحصد ترويجاً جيداً نتيجة جودة (البسطرمة) التي يقدمها. كما أن مطاعم السندويج تشترك أيضا بتقديم (بسطرمة) إضافة إلى السندويج وماعون الطرشي، وتتبع عادة بـ(استيكانين): (شاي زنكين من يد الجايجية) أو المقاهي التي عادة تجاور المطاعم ومحلات السندويج .
لقد علمت من مصدر موثوق أن الأستاذ مشتاق الدليمي عندما كان طالباً في الإعدادية والجامعة، كان مولعاً بأكل (البسطرمة) مع البيض! ومن المؤكد سنسمع منه رأيه فيما ذهب إليه صديقه وزميله في الدراسة، كما نأمل أن يسجل انطباعه، وسبب حبه وتعلقه بهذه الوجبة الموصلية، وأن يذكرنا بمطعمه المفضل الذي كان يقدم هذه الأكلة الشعبية.
كما تجدر الإشارة إلى أنه من عادات أهل الموصل وتقاليدهم في أثناء السفر إلى بغداد أو البصرة أو حتى خارج العراق أن يأخذوا معهم كمية من (البسطرمة)؛ لتقديمها هدية الى معارفهم وأقاربهم خارج الموصل، كما فعلت الأخت الفاضلة الدكتورة إلهام الدباغ التي أرسلت كمية من (البسطرمة) إلى أخيها، وأصابنا كمية من كرم هذه العائلة الأصيلة. كما أتذكر في منتصف سبعينات القرن الماضي عندما كنا ندرس الدكتوراه في بريطانيا/ جامعة لندن، كانت (البسطرمة) متوافرة عندنا معظم أيام السنة إذ كانت الوالدة (رحمها الله) ترسل لنا كمية منها بين فترة وأخرى، هذا بالإضافة إلى قدوم كثير من الأصدقاء والأهل والأقارب والزوار والوافدين إلى لندن، وأول ما يأتي على بالهم هو جلب كمية من (البسطرمة) إلينا، وكنا نفرح بها ونستمتع بأكلها. ولا شك أن (البسطرمة) الموصلية مميزة، ولذلك كان أهل الموصل، ولا يزالون يحملونها معهم؛ لأنهم يعدونها هدية لها قيمتها، لا سيما عن أهل الموصل في الداخل أو الخارج، لأنها متقنة كل الإتقان، من جميع النواحي، ومضمونة الجودة، ومشهورة المنشأ الموصلي.

وما دمنا نتحدث عن (البسطرمة) الموصلية، فلا بد من الإشارة إلى أن (البسطرمة) معروفة على صعيد العالم، ففي تركيا مثلاً تعد من الأكلات المحببة لديهم، وقد شاهدت خلال زيارتي مرات عديدة إلى تركيا، لا سيما في آخرها التي كانت في نهاية القرن الماضي أن الأتراك يصنعون أكياساً لتعبئة (البسطرمة) لا تستطيع أن تفرقها عن مصارين البقر، وهي أكياس رقيقة طولها حوالي 30سم وعرضها حوالي 5 سم ومجففة ورقيقة جداً، يستخدمها الأترك في تعبئة(البسطرمة) التركية. وفي اسكتلندا شمال بريطانيا التي تشتهر بـ(البسطرمة) (الصاصيج) أو النقانق المحشوة بلحم الغنم أو العجل، فإنها تعد من أهم مناطق تصديرها إلى جميع أنحاء أوربا، وتقدم (البسطرمة) مطهية إما باستخدام القلي أو الشوي على الفحم. أما (البسطرمة) الأمريكية التي تدعى (هوت دوك) فإنها تقدم مسلوقة على شكل سندويج أو مقلية بالطاوة أو مشوية على الفخم، ولكن نكهتها وطريقة تصنيعها تختلف عن (البسطرمة) الموصلية. كما أن هناك بسطرمة تصنع من لحم الدجاج، والديك الرومي وتنتشر في أوربا ومنطقة الخليج.
أما (البسطرمة) الشامية فهي لا تختلف من حيث طبيعة المحتويات والتصنيع عن الموصلية ويكمن الفرق بطبيعة النكهة (البهارات) المميزة التي يستخدمهاأهل الموصل. أما (البسطرمة) المصرية فهي تختلف تماماً عن البسطرمة العراقية والشامية وتتكون من شريحة لحم بقري كبيرة الحجم مملحة بتركيز شديد ومجففة وتباع بعد تقطيعها على شكل شرائح.
أعود وأقول: إن (البسطرمة) الموصلية لها خاصية ونكهة وشهرة تميزها من غيرها، ولذلك تكاد تكون فريدة في صناعتها.
وبعد، هذا حديث يحاول أن يسجل أكلة شعبية تستحق أن تسجل في التراث الموصلي؛ لما لها من طقوس خاصة بها، ومواسم معينة تكثر فيها، وشهرة طارت في الآفاق على جميع المستويات في داخل الموصل والعراق وعموم البلاد العربية، بل وصلت شهرتها إلى أوروبا من خلال أبناء الموصل الذين حرصوا على تقديمها على سبيل الهدايا، أو دأبوا على الحديث عنها، رغبة في إعطاء فكرة عن الموصل وما فيها من عادات وتقاليد تستحق أن تعرف وتشتهر. وأخيراً لا بد من أن أقول: إن الموصليين تمكنوا من أن يتميزوا بهذه الوجبة الشهيرة، لما يتمتعوا به من كرم وسخاء وعطاء وإتقان ينبعث من أنفسهم، والطعام بلا شك، يعتمد في جودته وتميزه ولذته على النفس التي صنعته. ونسأل الله تعالى أن يعيد الأمن والأمان لكل ربوع الوطن، حتى يكون بإمكان الإخوة جميعاً القيام بزيارة إلى الموصل للوقوف على ما تتميز بها من مناخ وطبيعة خلابة، وعادات جميلة، وتقاليد أصيلة، وبالتالي لا ننسى أن يتناولوا هذه الوجبة التي نحن بصددها وهي (البسطرمة) بالصحة والهناءة.

والباب مفتوح أمام الأخوة القراء؛ لإغناء المقالة وإثرائها بمداخلاتهم وتعليقاتهم وتجاربهم مع (البسطرمة) كل في بلده.

والحمد لله الذي بنعمه تتم الصالحات .

:: تصوير وتصميم رائد ابراهيم الطائي :: m

Comments»

No comments yet — be the first.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: